الثلاثاء، 9 يونيو، 2009

قهوة عم عربي


قهوة عم عربى.........
كل ما فى القهوة عربى .... رائحة البن .... طقطقة معالق الشاى ... المقاعد الخشبية .... الطاولات النحاسية ...
حزنى صبى القهوة بصوتة الجهورى ... أجل لا تستغربو فكل من دخل المكان فوجىء بإسم ذاك الفتى اليتيم كان يسأل عم عربى العابس دائمآ...." يا عم عربى ألم تجد صبى بإسم أفضل ليعمل هنا "...
ينفرج فم عم عربى الذى يكاد يخلو من الأسنان ليرد" أحسن ما فى حزنى إسمه المناسب لكل شىء يدور حولنا"......
فلا تلبث أن تتغير ملامح السائل بإمتعا ض يخفى خلفة كثير من الخوف و يغير الموضوع فورآ...
دعونا أكمل زيارتى السياحية معكم فى قهوة عم عربى للتعرف أكثر على معالمها الأثرية....
الجدران فقدت ألوانها الأصلية منذ زمن طويل جدآ .... فلناظر بإمعان يشعر أنها سماء ملبدة بلغيوم ...
أزرق مختلط بالرمادى يشوبة بعض الأسود المخضر....و بإمعان فى الإهمال ترى بعض الصور الفوتغرافية الباهتة....لكوكب الشرق أم كلثوم و العندليب عبد الحليم حافظ .....و صورة لا يعرف أحد لمن هى و من وضعها هنا حتى عم عربى إذا سألته يكتفى برفع حاجبة و لا يجيب...صورة لفتى أسمر بهى الطلعة على ظهر حصان أبيض فى عينية قوة ينظر إلى السماء بشموخ و فخر... و قد تكون تلك الصورة هى أجمل ما فى المكان....
و يقبع فى ركنة المعتاد صندوق "الغلة" كما يحلو لعم عربى أن يسمية....
رواد المقهى تغيروا بفعل الزمن و تغير الطقس و عوامل التعرية من شيخوخة و وفاة و غيرها.....
لم يبقى منهم أحدٌ يذكر سوى صديقان أو ندان أو ديكان كما يناديهم الجميع.....
عم فكرى و عم منسي....
عم فكرى رجل أرمل عجوز ناهز السبعين فى عينية لمعة و على شفتية الرقيقة إبتسامة صافية هادئة ....
ضعيف البنيان .... هادىء القسمات فى نبرة صوتة ثقة ...قارىء نهم حتى مع تقدم السن و إذدياد سماكة النظارة على عينية ...كان يعمل موظف فى دار الكتب إلى أن لحق بركب المعاش و أصبح من الرواد اليومين للمقاهى..
عم منسى لم يسبق له الزواج...فى الستين من العمر...قصير القامة بإمتلأ فى منطقة المعدة ...فى الدقيقة الواحدة تتذبذب ملامحة من البشاشة إلى العبوس و من الضحك الذى يبعث على العدوى فيزلزل المكان إلى الصراخ الذى يرج أركان القهوة و يدعو أصدقاءة إلى محاولة تهدئتة بشتى الطرق حتى لا يصاب بإرتفاع ضغط الدم الذى يشكو منة منذ فترة ..... و قد يودى بحياتة...... فيسرع حزنى دون أن يطلب منة أحد و بحكم العادة لإحضار كأس الليمون..وفى ثوانى معدودة كما صخب كل شىء فى القهوة يعود كل شىء إلى الهدوء..
إعتاد عم فكرى و عم منسى اللقاء فى القهوة كل يوم من بعد آذان العصر حتى موعد آذان العشاء لم يتخلفوا فى يوم عن الجلوس على الطاولة المقابلة لصندوق عم عربى و البدء فى الحديث الذى قد يستغرق ساعات دون أن ينطق عم عربى بكلمة أو يصاب بداء الكلام و لا يستطيع أن يتم عم فكرى جملة واحدة مفيدة...
كانت تلك الساعات هى المتعة الوحيدة فى حياة عم منسى ...فكان يردد لنفسة و هو يرتدى ملابسة العصر و يحكم ربطة العنق التى إعتادعلى إرتدائها منذ كان يمارس مهنتة كمدرس أول لمادة التاريخ....أن حوار فكرى معة هو الذى كان و مازال يشعره بأنة على قيد الحياة و يتسأل بإضطراب ..ماذا لو لم يأتى فكرى اليوم ماذا لو ؟؟؟؟؟ .... أستغفر الله العظيم .... عندها سأصبح حقآ إسم على مسمى لن يتزكرنى أحد .... و يسرع بإرتداء ملابسة لينزل إلى القهوة و يجد فكرى فى إنتظارة يلومة على التأخير فيتنفس الصعداء و يلقى بجسدة الممتلىء على المقعد براحة صائحآ "القهوة يا حزنى".....و يبدأ عم منسى بالكلام ....
ينظر إلية عم فكرى بثبات لدقائق معدودة لكن دون قصد منة يضع يدة على جبينة عندها يتأكد منسى أن فكرى بدأ بالتفكير...و أنه بالكاد يرى شفاة منسى تفتح و تغلق دون أن يسمع كلمة واحدة ... فى البداية كان ذلك يجعلة يستشيط غضبآ و لكن إعتاد علية و أصبح يكمل كلامة عادى فلا يدرى متى يعود فكرى و ينضم للحوار فى أى لحظة.....كان عم عربى يتسأل كيف يتحمل أحدهما الأخر.... فكرى كان متفائل أكثر من الحد الطبيعى للتفائل ...و منسى كان يكن ولاء منقطع النظير للتشائم ....فكيف يلتقى الأضاد...لكن فى قهوة عم عربى كل غريب طبيعى و كل ممنوع مستباح و كل أمر مذهل قد لا يسترعى الأنتباة...
فحدث ذات يوم أن دخل غريب إلى المكان تشاجر مع حزنى دون سبب و حطم المقاعد فلم يتحرك أحد بما فى ذلك عم عربى نفسة .... و ذات مساء هجم بشبيشى الفتوة على القهوة و أوسع حزنى المسكين من الضرب حتى كسر أنفة دون سبب سوى إرهاب الحارة و فرض القوة و لم يدافع أحد من رواد المكان و المنتفعين بخدمات حزنى عنة .... و أكتفى عم عربى بأن إتصل بالشرطة التى شجبت الموقف و لم تحضر و بالأسعاف التى إستنكرت الإعتداء و إعتذرت لتزامن الحادث و يوم شم النسيم ......
و عندما علم عم فكرى بالحادث إكتفى بالتفكير ...أما عم منسى فقد صرخ فى وجهة حزنى الضحية قائلآ له" يا إبنى إبعدعن الشر و غنيلوة... أكيد إنت السبب".....
و ما لبث الحوار أن إحتد عن الوضع القائم فى القهوة بين فكرى و منسى ....فكرى يحلم بالتغير و يطالب عم عربى بالقيام ببعض التعديلات ...كتعين حرس لحماية القهوة من طغيان بشبيشى و صبية سرسء...و محاولة إقناع زبائن القهوة عدم إدخال الغرباء إلى المكان و المحافظة على النظافة و التحضرفى الحوار بشكل أو بأخر.....
أما عم منسى فكان يقفز من الغضب مثل الديك الرومى .... مصِِرآ أن أفكار فكرى ستودى بحياة عم عربى و حزنى و كل رواد المكان بما فيهم هو شخصيآ.....فما أجمل التظاهر بأن أى شىء لم يتغير و أن الحياة تسير على طبيعتها إلى أن تعود إلى وتيرتها المعهودة دون الحاجة إلى إستشاطة غضب بشبيشى و إستفزازة بأى تغير ملحوظ.... كان فكرى يحاول أن يوضح لمنسى بأن بشبيشى غاضب مسبقآ بدون أدنى تصرف عندما فوجىء الأثنان بصوت شخير ينم عن نوم مستغرق قادم من زاوية عم عربى .....لاذوا بصمت مطبق و ألقى كل منهم بجسدة المنهك على مقعدة بتثاقل.....متسائلآ فى قرارة نفسة لما نفكر لمن لا يريد أن يتحرك...لمن لا يريد أن يقلق على رزقة و رزق أولادة فعم عربى فى كوكب آخر منذ سنين طويلة...... و قرر الآثنان أن لا يتكلما فى الموضوع و أن يقتسموا اللامبالاة مع عم عربى......
فقرر منسى أن ينسى .......... و لم يستطيع فكرى أن يكف عن التفكير....... و بقى عم عربى مستغرق فى سبات شتوى و صيفى و خريفى و ربيعى......... و حزنى و القهوة ........ ريشة فى مهب الرياح التى يتحكم بها بشبيشى الجاهل و معاونة سرسىء الشرير....تلك هى حدوتة كل عم عربى و كل القهاوى........

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق