الثلاثاء، 16 يونيو، 2009

مهمة خاصة جدآ


أسندت رأسها المنهك على زجاج النافذة ...لم تعتد رغم كثرة تنقلها النوم فى أى من وسائل المواصلات ...كانت السيارة تسير على الإسفلت الحارق ..فدرجة الحرارة فى الخارج قاربت على ال40 درجة مئوية ....تنفست بعمق ...تحاول أن تبحث عن نسمة واحدة و لا تجد ..رغم إرهاقها الشديد فقد أصرت على إستكمال رحلتها دفعة واحدة ..و رغم محاولات بعد الأصدقاء ..و إلحاح البعض الأخر فقضاء بضعة أيام فى بغداد لم يكن ضمن مخططاتها ...لم تبالى بمشقة الرحلة ..و رغم يقينها أنها بضعة أيام فقط و أنها ستعود من حيث أتت إلا أن شعورها خالف كل توقعتها ..تذكر اللحظة التى إستلمت فيها تذكرة السفر ...شعرت أنها ستكون رحلتها الأخيرة و انها لن تغادر تلك المدينة و لا ليوم واحد ....جلست بجوار النافذة ...لأنها تفضل أن تبقى عينيها خارجآ لأن لا تشعر بالحصار فى أى لحظة ..و كانت تلك هى جلستها طوال الرحلة ..من مدريد إلى لندن ..و من لندن إلى عمان ..و من عمان إلى بغداد ..و من بغداد إلى السليمانية دون توقف لحظة واحدة ..لأن لا تخور قواها و يعتصر قلبها الألم فتهرب من مواجهتة ..........فقد أرسلها الحب فى مهمة خاصة ...مهمة خاصة جدآ ..لو كانت ناديا خبرتها أنها سوف تزور العراق منذ خمس سنوات ..لقالت لها أنها تهذى ...و أن العالم لم يخلص من الدول حتى تزور العراق ...و ها هى تسابق الزمن لتلقي بنفسها فى مدينة السليمانية ....كم من نقاط التفتيش مرت عليها؟؟ لم تعد تتذكر فقد توقفت عن العد عند الرقم عشرة ...أسئلة ..أوراق ...تصاريح ..حتى جواز سفرها الأوروبى أصبح جريمة قد تودى بإختطافها لو صادفوا أحد قطاع الطرق المنتشرين تحت أسماء منظمات بوليسبة إرهابية الدين برئ حتى من إسمها .....هربت من الحاضر المرير اللذى لا يحمل سوى الأسي ...إلى ماضى رائع ...بكل ما فية ...إنها الليلة التى تعرفت بها على أحمد ...مراسل صحفي لإحدى القنوات الفضائية و كما كان يحلو لة أن يصف نفسة قط بسبع ترواح ....و فى لحظات أخرى كان يقول لها : أنا يا فريدة سبع صنايع و البخت ضايع ....قابلته فى منزل ناديا زميلتها الصحفية العراقية .....عرفتها علية كصديق للعائلة ..كردي ...فوجئت عندما تحدث أمامها بلهجتها ...و قال أنة قادر على التحدث بلغات و لهجات مختلفة ..نظرت إلية بتعالى و قالت ...زى إية مثلآ؟؟؟فقال ...طبعآ أولآ كردى ..و تركى و فارسي و إنجليزى و إسبانى ..و ممكن أكلمك عراقى و كويتى و مصرى و فلسطينى و لبنانى ....فقالت ..واضح إنك كنت مقضيها قدام التلفزيون .....و مرت الأيام ...و عرفتة جيدآ .. و لامت نفسها ...فأى تلفزيون ممكن أن يراة فى حصارين داخلى و خارجى ...و أى قنوات تلك ممكن أن يبثها تلفزيون للمجاهدين (بشمرغا) كما يطلق عليهم باللهجة الكردية ....لم تكن تعلم الكثير عن حياة الأكراد ...و حتى ناديا العراقية لم تكن تعلم أكثر منها ...و فى الأوقات التى كان أحمد يشرح تلك المعاناة الفظيعة التى تعرض لها شعب بأكملة لمجرد أنة ولد من أب و أم أكراد ....كانت تصاب بصدمة ..فكيف عمى العالم و صم عن بشر يقتلون بدون ذنب ...و أى حصار فرض على هؤلاء البشر و حولهم إلى أناس تعيش فى عزلة كعزلة أهل الكهف ....و كان أحمد يضحك من إندهاشها و يسخر من عزلتة و يعلًم نفسة كل شئ ...حتى أنة فى فترة زمنية قصيرة كان على دراية بأمور لا تعلم عنها هى المتقدمة شئ ....تذكر كل المرات التى سارت بها إلى جوارة ...و كم عشقتة و تمنت أن يقول أحبك ...إبتسمت رغمآ عنها .... و هى تتذكر المرة الأولى التى قال لها فيها ...أحبك ...فردت ...أحبك ..و أحب الأكراد جميعآ ...حملها كطفل صغير و أخذ يركض فرحآ فى ليل مدريد الخريفى الدافئ ....كانت أقسي لحظات عمرها هى تلك اللحظة التى ودعته فيها فى المطار....كان ذاهب فى مهمة صحفية خاصة ...و عندما أوصلته إلى قاعة المغادرة ...قبلها على جبينها و قال ...عدينى إن لم أعد أن تزورى السليمانية .. و أن تذهبى إلى ئه منه سوره كه ...أريدك أن تعرفى أكثر و ترى بعينك ...ثم تذهبى إلى كل الأماكن الجميلة إلى الطبيعة الرائعة ..و إلى المقاهى و المطاعم ...أريدك أن تذوبي وسط الناس ...وأن تزورى أربيل... أن تزورى كردستان أجمل بقاع الكون و حبيبتى التى أحملها فى قلبي أينما ذهبت و عندما يهبط الليل إنظرى إلى القمر ...و لتعلمى أنى هناك أراكى و أرعاكى و أنتظرك بكل الحب ....غضبت منه و أنَبته على تلك الكلمات القاسية فالمهمة لم تكن سوى بضعة أيام ..و لكنه لم يعود ..و كانت السيارة المفخخة فى حى الإعلام بين مركز الشرطة و محطة لبيع إسطوانات الغاز هى النهاية و هى الأسرع ...19-7-2004 تاريخ لن تمحوة ذاكرتها أبدآ ....لم يعد أحمد ...و بقيت تحمل بين طياتها وعد ...سألت السائق العربي ...فقال أنهم على مشارف السليمانية ..شمال العراق ...خفق قلبها فهى على موعد ...موعد مع حبيب لن يحضر ..ترقرت الدموع فى عينيها ..و مسحتها بسرعة فهى قوية ..أو أوهمت نفسها بذلك منذ رحيلة ....وقفت السيارة أمام مبنى مديرية الأمن العام فى السليمانية ..أو كما يطلق عليها بالكردى (ئه منه سوره كه ) و هو متحف مكون من خمس طوابق ...مليئ بالصور و التذكرات التى تثبت عمى العالم عن شعب تعرض لكل أنواع التعذيب ....مشاهد لضحايا أكراد ..صور لمأساة حلبجة التى راح ضحيتها خمسة آلاف كردى و عشرة ألاف من الجرحى و خلفت مدينة مغطاة بسم كيماوي أبيض قتل فيها كل مظهر من مظاهر الحياة و حملة الإبادة المعروفة بالأنفال و التى راح ضحيتها 185 ألف كردى فى حملة تصفية دامت لمدة ستة أشهر لم يعرف البشرية أسواء منها ...واقع نضالي كردي ...زنازين ..أدوات تعذيب ...صور لمعدومين ..ألم لا يتحملة بشر ...واجهت صعوبة بالغة فى التنفس ..و عندما خرجت ...جلست على السلم ...و لم تتمالك نفسها ..حضنت وجهها و بكت ... بكت أحمد حبيبها ...بكت محمد حاج صالح و إسماعيل إبراهيم و أنور سعيد دارتائس ...بكت أمهات قلوبها إحترقت ..بكت شيوخ و أطفال ...بكيت شباب لم يري المستقبل ...و رجال لم يحضنوا أطفالهم ....بكت على ألف أحمد ...و مرت سيدة كردية إحتضنتها دون أن تسألها من تكون ..اليوم عرفت لماذا أراد أحمد أن تبدأ زيارتها من هنا ..اليوم تلقت فية واجب العزاء ...مسحت الدموع .. و خرجت لتمشي فى المدينة ...مرت بجوار أحد المقاهى ..فداعبت أنفها رائحة ذكية و طعام ساخن ..تذكرت أنها لم تأكل منذ 48 ساعة ...أكلت و شعرت بألفة المكان فالطعام لة ذوق خاص ..أم أنة الجوع ؟؟؟ لم تعد تميز ...ذهبت إلى إحدى الفنادق حيث إغتسلت و نامت بعمق ..و كأنها فى رعاية أحمد كما قال ..فهى لم تنام منذ ذلك اليوم ..إنة الصباح ..إستيقظت باكرآ ...و بدأت تزور كل ما هو جميل و رائع ..الشوارع ..الأماكن ..الناس ..و فى الأيام التالية إستقلت سيارة و ذهبت إلى أربيل ..زارت قلعة أربيل ..و الأماكن الأثرية .. ووقعت فى غرام الطبيعة على الجبل ...عيون المياة ..رائحة الشجر ..البرودة رغم إرتفاع درجات الحرارة ...و أكثر ما أغرمت بة ...الناس ...بشاشتهم ...طيبتهم ..أصواتهم العالية المليئة بالحياة ..و كأن أكراد الأرض جميعآ هم عائلة واحدة كبيرة ...الطعام الرائع ...الدولمة ..فقد أصبحت من مدمنيها و ذاد وزنها بضعة كيلوات بسببها ..و لكن لم تعبئ..مرت الأيام العشر فى حلم طويل رائع ...لم تشعر بالوحدة ..رغم وحدتها منذ وفاتة ..............إنها ليلتها الأخيرة ... غدآ ستبدأ رحلة العودة إلى غربتها من جديد ...ذهبت إلى أحد المطاعم لتتناول طعام العشاء ..و رغم وحدتها الفعلية ..فلا أحد يعيش وحيد هنا ..لم تأكل كعادتها و سألها صاحب المطعم اللذى إعتاد رؤيتها إن كانت مريضة ؟؟؟فأجابت بالنفى ..لكنة لم يقتنع و جلس ..سألها عن قصتها ...و عندما حدثته عن تلك المهمة الخاصة ...نظر إليها بحنان ..و قال إن المغزى اللذى أراد أحمد ان يوصله لك يا إبنتى برحلتك تلك ..أننا الأكراد نعرف فن الحياة ..فرغم حزنك و بكائك ..خرجت من المتحف لتأكلى كما لم تأكلى من سنوات ..رأيت الجمال و إستمتعت به... رغم حزنك ..بقى قلبك ينبض بالحياة ...و ها أنت تستمتعين بالموسيقي التى تعزف حتى إن لم تفهمى منها كلمة واحدة ..قد يعتقد البعض أن نظرية البقاء غريزية و لكن فن الحياة له أدوات نتقنها نحن الأكراد .....إبنتى فريدة ...لو أردت أن تعيشي ...فلتبقى هنا معنا و لا ترحلى ...أثرت فًيها كلماتة و لكنىها لم تأخذه على محمل الجد ..و عندما خرجت إلى الشارع لتعود إلى الفندق و تلملم حقيبة العودة ..أو حقيبة غربتيها و وحدتىها ..خرج مسرعآ من المطعم خلفىها و سألها كيف ستذهبى ..فأجابت سأسير على قدمي ..و رغم كبر سنة أصر أن يسير معىها لأن لا يتركىها وحيدة ..و عندما وصلت إلى مدخل الفندق سألها ..غدآ صباحآ ستأتى السيارة ؟ فأجبت ..نعم ...فقال ..إحضرى حقيبتك يا إبنتى و لتنامى عندنا أنا و الحجية و أختك هانا فى المنزل ..فلن أترك هكذا فى أخر ليلة لكى هنا ...ترددت قليلآ و لكن أحزانها كانت أقوى من مقاومتها ...خرجت بصحبتة إلى منزلة ...و وجدت زوجتة الرائعة و إبنتة ...خففوا عنها ..و لكنها لم تستطيع ان تنام فخرجت لتجلس هى و هانا فى الحديقة يحملان أكواب الشاى الدافئة كقلب تلك العائلة ...و عندما جلستا صامتتين على الأرجوحة ..نظرت إلى القمر ...إنه كوجة أحمد ..يحتضننى بقوة و يربت على يدي ..فقد صدق وعده ووفى به ..فهل حقآ وفيت أنا بعهدى له ؟؟؟..كانت تلك كلماتها إلى نفسها ..عندها شعرت بلحظة من السكينة مع نفسها ...شعرت بأنها رغم حزنها ..ستكون على ما يرام لو بقيت هنا ...فى المكان اللذى أحبته و أحبها ..هنا حيث القمر هو وجة حبيبها ....عندها و دون تردد...حملت الهاتف النقال ..تكلمت مع السائق و قالت ...عم على ...لا تيجى بكرة ماأكو سفر ما دا أسافر ....................

الثلاثاء، 9 يونيو، 2009

قهوة عم عربي


قهوة عم عربى.........
كل ما فى القهوة عربى .... رائحة البن .... طقطقة معالق الشاى ... المقاعد الخشبية .... الطاولات النحاسية ...
حزنى صبى القهوة بصوتة الجهورى ... أجل لا تستغربو فكل من دخل المكان فوجىء بإسم ذاك الفتى اليتيم كان يسأل عم عربى العابس دائمآ...." يا عم عربى ألم تجد صبى بإسم أفضل ليعمل هنا "...
ينفرج فم عم عربى الذى يكاد يخلو من الأسنان ليرد" أحسن ما فى حزنى إسمه المناسب لكل شىء يدور حولنا"......
فلا تلبث أن تتغير ملامح السائل بإمتعا ض يخفى خلفة كثير من الخوف و يغير الموضوع فورآ...
دعونا أكمل زيارتى السياحية معكم فى قهوة عم عربى للتعرف أكثر على معالمها الأثرية....
الجدران فقدت ألوانها الأصلية منذ زمن طويل جدآ .... فلناظر بإمعان يشعر أنها سماء ملبدة بلغيوم ...
أزرق مختلط بالرمادى يشوبة بعض الأسود المخضر....و بإمعان فى الإهمال ترى بعض الصور الفوتغرافية الباهتة....لكوكب الشرق أم كلثوم و العندليب عبد الحليم حافظ .....و صورة لا يعرف أحد لمن هى و من وضعها هنا حتى عم عربى إذا سألته يكتفى برفع حاجبة و لا يجيب...صورة لفتى أسمر بهى الطلعة على ظهر حصان أبيض فى عينية قوة ينظر إلى السماء بشموخ و فخر... و قد تكون تلك الصورة هى أجمل ما فى المكان....
و يقبع فى ركنة المعتاد صندوق "الغلة" كما يحلو لعم عربى أن يسمية....
رواد المقهى تغيروا بفعل الزمن و تغير الطقس و عوامل التعرية من شيخوخة و وفاة و غيرها.....
لم يبقى منهم أحدٌ يذكر سوى صديقان أو ندان أو ديكان كما يناديهم الجميع.....
عم فكرى و عم منسي....
عم فكرى رجل أرمل عجوز ناهز السبعين فى عينية لمعة و على شفتية الرقيقة إبتسامة صافية هادئة ....
ضعيف البنيان .... هادىء القسمات فى نبرة صوتة ثقة ...قارىء نهم حتى مع تقدم السن و إذدياد سماكة النظارة على عينية ...كان يعمل موظف فى دار الكتب إلى أن لحق بركب المعاش و أصبح من الرواد اليومين للمقاهى..
عم منسى لم يسبق له الزواج...فى الستين من العمر...قصير القامة بإمتلأ فى منطقة المعدة ...فى الدقيقة الواحدة تتذبذب ملامحة من البشاشة إلى العبوس و من الضحك الذى يبعث على العدوى فيزلزل المكان إلى الصراخ الذى يرج أركان القهوة و يدعو أصدقاءة إلى محاولة تهدئتة بشتى الطرق حتى لا يصاب بإرتفاع ضغط الدم الذى يشكو منة منذ فترة ..... و قد يودى بحياتة...... فيسرع حزنى دون أن يطلب منة أحد و بحكم العادة لإحضار كأس الليمون..وفى ثوانى معدودة كما صخب كل شىء فى القهوة يعود كل شىء إلى الهدوء..
إعتاد عم فكرى و عم منسى اللقاء فى القهوة كل يوم من بعد آذان العصر حتى موعد آذان العشاء لم يتخلفوا فى يوم عن الجلوس على الطاولة المقابلة لصندوق عم عربى و البدء فى الحديث الذى قد يستغرق ساعات دون أن ينطق عم عربى بكلمة أو يصاب بداء الكلام و لا يستطيع أن يتم عم فكرى جملة واحدة مفيدة...
كانت تلك الساعات هى المتعة الوحيدة فى حياة عم منسى ...فكان يردد لنفسة و هو يرتدى ملابسة العصر و يحكم ربطة العنق التى إعتادعلى إرتدائها منذ كان يمارس مهنتة كمدرس أول لمادة التاريخ....أن حوار فكرى معة هو الذى كان و مازال يشعره بأنة على قيد الحياة و يتسأل بإضطراب ..ماذا لو لم يأتى فكرى اليوم ماذا لو ؟؟؟؟؟ .... أستغفر الله العظيم .... عندها سأصبح حقآ إسم على مسمى لن يتزكرنى أحد .... و يسرع بإرتداء ملابسة لينزل إلى القهوة و يجد فكرى فى إنتظارة يلومة على التأخير فيتنفس الصعداء و يلقى بجسدة الممتلىء على المقعد براحة صائحآ "القهوة يا حزنى".....و يبدأ عم منسى بالكلام ....
ينظر إلية عم فكرى بثبات لدقائق معدودة لكن دون قصد منة يضع يدة على جبينة عندها يتأكد منسى أن فكرى بدأ بالتفكير...و أنه بالكاد يرى شفاة منسى تفتح و تغلق دون أن يسمع كلمة واحدة ... فى البداية كان ذلك يجعلة يستشيط غضبآ و لكن إعتاد علية و أصبح يكمل كلامة عادى فلا يدرى متى يعود فكرى و ينضم للحوار فى أى لحظة.....كان عم عربى يتسأل كيف يتحمل أحدهما الأخر.... فكرى كان متفائل أكثر من الحد الطبيعى للتفائل ...و منسى كان يكن ولاء منقطع النظير للتشائم ....فكيف يلتقى الأضاد...لكن فى قهوة عم عربى كل غريب طبيعى و كل ممنوع مستباح و كل أمر مذهل قد لا يسترعى الأنتباة...
فحدث ذات يوم أن دخل غريب إلى المكان تشاجر مع حزنى دون سبب و حطم المقاعد فلم يتحرك أحد بما فى ذلك عم عربى نفسة .... و ذات مساء هجم بشبيشى الفتوة على القهوة و أوسع حزنى المسكين من الضرب حتى كسر أنفة دون سبب سوى إرهاب الحارة و فرض القوة و لم يدافع أحد من رواد المكان و المنتفعين بخدمات حزنى عنة .... و أكتفى عم عربى بأن إتصل بالشرطة التى شجبت الموقف و لم تحضر و بالأسعاف التى إستنكرت الإعتداء و إعتذرت لتزامن الحادث و يوم شم النسيم ......
و عندما علم عم فكرى بالحادث إكتفى بالتفكير ...أما عم منسى فقد صرخ فى وجهة حزنى الضحية قائلآ له" يا إبنى إبعدعن الشر و غنيلوة... أكيد إنت السبب".....
و ما لبث الحوار أن إحتد عن الوضع القائم فى القهوة بين فكرى و منسى ....فكرى يحلم بالتغير و يطالب عم عربى بالقيام ببعض التعديلات ...كتعين حرس لحماية القهوة من طغيان بشبيشى و صبية سرسء...و محاولة إقناع زبائن القهوة عدم إدخال الغرباء إلى المكان و المحافظة على النظافة و التحضرفى الحوار بشكل أو بأخر.....
أما عم منسى فكان يقفز من الغضب مثل الديك الرومى .... مصِِرآ أن أفكار فكرى ستودى بحياة عم عربى و حزنى و كل رواد المكان بما فيهم هو شخصيآ.....فما أجمل التظاهر بأن أى شىء لم يتغير و أن الحياة تسير على طبيعتها إلى أن تعود إلى وتيرتها المعهودة دون الحاجة إلى إستشاطة غضب بشبيشى و إستفزازة بأى تغير ملحوظ.... كان فكرى يحاول أن يوضح لمنسى بأن بشبيشى غاضب مسبقآ بدون أدنى تصرف عندما فوجىء الأثنان بصوت شخير ينم عن نوم مستغرق قادم من زاوية عم عربى .....لاذوا بصمت مطبق و ألقى كل منهم بجسدة المنهك على مقعدة بتثاقل.....متسائلآ فى قرارة نفسة لما نفكر لمن لا يريد أن يتحرك...لمن لا يريد أن يقلق على رزقة و رزق أولادة فعم عربى فى كوكب آخر منذ سنين طويلة...... و قرر الآثنان أن لا يتكلما فى الموضوع و أن يقتسموا اللامبالاة مع عم عربى......
فقرر منسى أن ينسى .......... و لم يستطيع فكرى أن يكف عن التفكير....... و بقى عم عربى مستغرق فى سبات شتوى و صيفى و خريفى و ربيعى......... و حزنى و القهوة ........ ريشة فى مهب الرياح التى يتحكم بها بشبيشى الجاهل و معاونة سرسىء الشرير....تلك هى حدوتة كل عم عربى و كل القهاوى........